السلاح أولاً أم الانسحاب أولاً؟ ما الخيارات المتبقية أمام حزب الله؟

صورة جدارية ضخمة تجمع جميع قيادات حزب الله الذين اغتالتهم إسرائيل وفي مقدمتهم الأمين العام السابق حسن نصرالله وخليفته هاشم صفي الدين

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، تمكنت إسرائيل من اغتيال أغلب قيادات الصف الأول في حزب الله خلال حرب سبتمبر/أيلول 2024
Published
مدة القراءة: 7 دقائق

يجد حزب الله نفسه أمام أصعب اختبار سياسي وعسكري منذ سنوات. فبعد الخسائر التي لحقت بقيادته وبنيته العسكرية، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية الرد على إسرائيل، بل بات يتعلق أيضاً بمن يفاوض باسم لبنان، وما إذا كان الحزب يستطيع الحفاظ على سلاحه ودوره العسكري في ظل مسار محادثات تقوده الدولة اللبنانية برعاية أمريكية ويعارضه الحزب.

وتنحصر الخيارات المتاحة أمام الحزب في ثلاثة مسارات رئيسية: انتظار تسوية بين إيران والولايات المتحدة تشمل لبنان، أو التعامل مع اتفاق ترعاه واشنطن بين لبنان وإسرائيل ويقود إلى انتشار الجيش اللبناني ونزع السلاح، أو العودة إلى التصعيد العسكري مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الجنوب وبيروت والضاحية الجنوبية، وعلى قاعدته الشعبية.

ولا يبدو أن أي خيار من هذه الخيارات يخلو من كلفة.

رجل يظهر من الخلف يعلق علم حزب الله على شرفة منزله المطل على دمار واسع بسبب القصف الإسرائيلي في قرية النبي شيت البقاع لبنان

صدر الصورة، Getty Images

كيف وصل الحزب إلى هنا؟

في 2 مارس/آذار، أعلن حزب الله دخوله المواجهة الإقليمية إثر هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، قائلاً إن هجماته جاءت ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وعلى الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

لكن حسابات الحزب لم تكن عسكرية فقط. فقد أفادت تقارير بأنه راهن أيضاً على أن يؤدي انخراطه في المواجهة إلى إدراج لبنان في أي تسوية بين إيران والولايات المتحدة، بما يضمن وقف الغارات والاغتيالات وعمليات هدم المنازل، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان.

ومنذ ذلك الحين، تم الإعلان عن أكثر من هدنة، لكنّ أياً منها لم يُنهِ العمليات الإسرائيلية في الجنوب أو يؤدِ إلى انسحاب كامل.

وهنا ظهرت المشكلة الأساسية: إيران تريد ربط لبنان بمفاوضاتها مع واشنطن، بينما تصر الحكومة اللبنانية على أن الدولة وحدها هي التي تتفاوض بشأن أراضيها وسلاحها وحدودها.

مسار المفاوضات مع إيران

تَعزز رهان حزب الله على المسار الإيراني بعدما دخل وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان، ووافق الطرفان على إجراء مفاوضات في إسلام آباد.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

لكن الخلاف ظهر منذ البداية بشأن لبنان. قالت إيران إن الهدنة يجب أن تشمل جميع الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية، بينما اعتبرت الولايات المتحدة وإسرائيل أن لبنان ليس جزءاً من الاتفاق.

وبعد ساعات من بدء الهدنة، شن الجيش الإسرائيلي أكثر من مئة غارة خلال نحو عشر دقائق على بيروت وضاحيتها الجنوبية والبقاع ومناطق في الجنوب. وأسفرت الغارات عن مقتل مئات الأشخاص وإصابة أكثر من ألف، وفق السلطات اللبنانية. وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف مراكز قيادة ومواقع وقياديين تابعين لحزب الله.

ربطت طهران بعد ذلك مشاركتها في المفاوضات بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، كما ربطت إعادة فتح مضيق هرمز بالحصول على ضمانات لوقف دائم لإطلاق النار. وتوقفت الغارات على بيروت وضاحيتها لفترة بعد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنها استمرت في الجنوب.

واستأنف حزب الله هجماته، قائلاً إنها رد على الخروقات الإسرائيلية. ومع ذلك، بقي متمسكاً بالتسوية الإقليمية، وقال إنه تلقى تأكيدات بأن أي اتفاق بين طهران وواشنطن سيشمل وقف القتال في لبنان.

لكن هذا الرهان لم يؤدِ حتى الآن إلى انسحاب القوات الإسرائيلية أو وقف عمليات الهدم والقصف. ومع إطالة أمد المفاوضات، أصبح الانتظار نفسه مكلفاً: مزيد من الدمار، وتعثر عودة السكان، وتزايد الضغوط على الحزب داخل بيئته الشعبية.

تراجع معادلة الردع

كان أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله يتحدث في خطاباته عن معادلة تقوم على الرد على قصف الضاحية الجنوبية باستهداف تل أبيب. لكن قدرة الحزب على فرض هذه المعادلة تراجعت بعد حرب 2024.

فقد خسر الحزب عدداً كبيراً من قادته العسكريين، مع مقتل نصر الله، وهاشم صفي الدين، الذي اختير لخلافته وقُتل قبل تنصيبه. كما تعرضت بنيته العسكرية لضربات واسعة، شملت مواقع ومخازن صواريخ، وفق تصريحات مسؤولين في الحزب.

في الجولة الأخيرة، برزت معادلة ميدانية جديدة: توقف القصف على بيروت وضاحيتها مقابل امتناع حزب الله عن إطلاق الصواريخ والمسيّرات عبر الحدود، مع استمرار عملياته ضد القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان.

فبعد وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، تركزت غالبية عمليات الحزب على القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، مستخدماً بصورة بارزة مسيّرات قصيرة المدى لاستهداف الجنود والآليات والمواقع العسكرية، إلى جانب الصواريخ والقذائف، بينما كانت هجماته العابرة للحدود نحو شمال إسرائيل أقل تواتراً. واستمر هذا النمط حتى هدنة يونيو/حزيران، التي أعقبها تراجع حاد في وتيرة العمليات.

وأتاحت هذه المعادلة للضاحية فترة من الهدوء، لكنها ضيقت هامش الحركة العسكرية أمام الحزب. فهو يستطيع مواصلة الضغط على القوات الإسرائيلية في الجنوب، لكنه يخاطر، إذا وسّع عملياته إلى داخل إسرائيل، بعودة الغارات إلى بيروت والضاحية وربما إلى مناطق أخرى.

كما أن خوض مواجهة طويلة على غرار ما سبق الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 يبدو أكثر صعوبة اليوم. فقد تغيرت جغرافيا الجنوب بفعل الدمار والنزوح، واتسع نطاق السيطرة الإسرائيلية، وتطورت قدرات المراقبة الجوية والإلكترونية والاختراق الأمني.

مسار محادثات واشنطن

في موازاة الرهان على إيران، فتحت الحكومة اللبنانية مساراً منفصلاً ترعاه الولايات المتحدة مع إسرائيل. وتمسكت بأن الدولة وحدها هي المخولة التفاوض باسم لبنان، رافضة ربط مصير البلاد بمحادثات طهران وواشنطن.

وأدى هذا المسار إلى اتفاق إطار ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق في الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني فيها، ونزع سلاح حزب الله في مناطق تجريبية قبل توسيع العملية.

ويرفض حزب الله الاتفاق، معتبراً أنه يضع سلاحه على طاولة البحث قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل. لكن الحكومة بدأت تنفيذه، ودخل الجيش اللبناني بلدة زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، في أول اختبار عملي للاتفاق.

وقدمت السلطات اللبنانية هذه الخطوة بوصفها دليلاً على أن التفاوض باسم الدولة يمكن أن يحقق انسحاباً وعودة تدريجيين. لكن الاتفاق لم يؤدِ إلى وقف كامل للعمليات الإسرائيلية، ولا تزال إسرائيل تربط استكمال انسحابها بنزع سلاح حزب الله.

وهنا تكمن المعضلة الأشد بالنسبة إلى الحزب: رفض الاتفاق يحافظ على موقفه من السلاح، لكنه قد يضعه في مواجهة مع مسار تتبناه الدولة ويتيح لبعض السكان العودة إلى مناطقهم. أما القبول به، فقد يفتح الباب أمام انسحاب تدريجي وإعادة إعمار، لكنه يهدد الدور العسكري الذي احتفظ به الحزب لعقود.

صور لرسم تحمله يدان لشاب يحمل بندقية حربية، محاط بفتاة وكهل وطفل ، كتب على الصورة لن نترك السلاح

صدر الصورة، Getty Images

السلاح أولاً أم الانسحاب أولاً؟

تقول إسرائيل إنها لن تنسحب بالكامل قبل نزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني وإزالة ما تعتبره تهديداً لحدودها الشمالية.

في المقابل، يرفض حزب الله مناقشة مصير سلاحه قبل وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب الكامل وعودة السكان. ويتمسك أمينه العام نعيم قاسم بمواصلة العمل العسكري حتى الانسحاب.

لكن هذا الخلاف لم يعد محصوراً بين الحزب وإسرائيل. فقد تبنت الحكومة اللبنانية سياسة حصر السلاح بيد الدولة، وحظرت الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله من دون حظر الحزب بوصفه تنظيماً سياسياً.

وهذا يعني أن ملف السلاح انتقل من كونه مطلباً ترفعه خصوم الحزب إلى سياسة رسمية تتبناها الحكومة.

ما الخيارات الفعلية؟

الخيار الأول هو مواصلة انتظار اتفاق بين إيران والولايات المتحدة. وقد يمنح ذلك الحزب فرصة للحصول على انسحاب إسرائيلي من دون تقديم تنازلات مباشرة بشأن سلاحه، لكن موعد هذا الاتفاق ونتيجته لا يزالان غير واضحين.

أما الخيار الثاني، فهو التعامل مع المسار الذي تقوده الدولة. وقد يسمح ذلك بانسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش، وبدء الإعمار، لكنه يضع مستقبل سلاح الحزب وجناحه العسكري في صلب التفاوض.

ويبقى الخيار الثالث، وهو العودة إلى التصعيد. وقد يمنح الحزب وسيلة للضغط على إسرائيل، لكنه يهدد بتوسيع الحرب مجدداً وإعادة القصف إلى بيروت والضاحية الجنوبية، كما يعرّضه لاتهامات من خصومه بأنه يخوض حرباً مرتبطة بالأولويات الإيرانية.

ويقول حزب الله إن تحالفه مع إيران لا يعني أن طهران تُملي عليه قراراته، وإن تحركاته تنطلق من الدفاع عن لبنان. لكن استمرار ربط الجبهة اللبنانية بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية يُبقي هذا الاتهام حاضراً في الجدل الداخلي.

ولا تنفصل هذه الخيارات عن التحولات الميدانية. فقد تطورت قدرات الجيش الإسرائيلي في المراقبة والرصد، من استخدام المسيّرات إلى الاختراق الإلكتروني، كما تغيرت جغرافيا الجنوب بفعل الحرب، ما قد يفرض على حزب الله تغيير تكتيكاته إذا اختار مواصلة العمل العسكري.

ولا تقتصر حسابات الحزب على قدرته العسكرية. فهو يواجه أيضاً تحدي الحفاظ على تأييد قاعدته الشعبية، في ظل استمرار نزوح أعداد كبيرة من سكان الجنوب والضاحية الجنوبية، وغياب جدول واضح للعودة وإعادة الإعمار ودفع التعويضات.

وستبقى هذه التحديات قائمة حتى إذا نجحت إيران وحزب الله في فرض وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب. إذ سيظل الحزب أمام خلاف داخلي بشأن مصير سلاحه ودوره العسكري، بعد قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة وحظر أنشطته العسكرية والأمنية، وسط انقسام بشأن مسؤولية اندلاع الحرب وكيفية معالجة ملف السلاح من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.