أبيي تعود لتشعل الخلاف بين السودان وجنوب السودان

صدر الصورة، United Nations
- Author, محمد محمد عثمان
- Role, مراسل بي بي سي نيوز عربي
- Reporting from, أم درمان
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
"لا يهمني إن كانت أبيي ستتبع الشمال أو الجنوب، بل ما يهمني هو أن تصبح مكاناً صالحاً للحياة ولا تهمني الانتخابات. لا أريد انتخابات ولا استفتاء، بل أريد حياة مستقرة وكريمة".
هكذا يتحدث غابرييل مجوك، الذي يدير منذ سنوات مطعماً في منطقة أبيي.
تواصلتُ مع مجوك عبر واتساب لأن شبكات الاتصال التقليدية ضعيفة جدا، وقد أكد لي خوفه من إغلاق مطعمه إلى الأبد، إذ شهدت المنطقة دمارا كبيرا خلال السنوات الماضية، وارتفعت أسعار السلع ، وبدأ كثيرون يفقدون مصادر دخلهم.
وعادت المنطقة، المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، إلى عناوين الأخبار مجدداً، بعدما رفضت حكومة الخرطوم إدراج جوبا المنطقةَ ضمن الدوائر الانتخابية الخاصة بالانتخابات المقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول المقبل في جنوب السودان.
وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صادر عنها، إن ما أقدمت عليه جوبا يمثل خطوة أحادية تتعارض مع الاتفاقيات والبروتوكولات الموقّعة بين البلدين، والتي تنظم الوضع القانوني والإداري الخاص بمنطقة أبيي.
"الجباة يحكمون أبيي"

صدر الصورة، United Nations
تواصلتُ مع أحد تجار سوق أبيي، ويدعى عبد الله ود إبراهيم، فقال لي إن "المنطقة لم تكن لتنجو من آثار الحرب الأهلية السودانية، فقد تردت الأوضاع الأمنية، كما أن سكانها باتوا عرضة للقتل والنهب، إذ نُصبت نقاط تفتيش كثيرة لتحصيل الأموال من الشاحنات المارة، وبات أصحاب المواشي مجبرين على دفع جبايات ورسوم عديدة".
وعندما سألتُه عن دور قوات الأمم المتحدة في حماية المدنيين، ردّ بالقول إنها: "تصل بعد وقوع الجريمة، سواء كانت قتلاً أو نهباً، ولا نعرف في الغالب ما الذي يحدث للضحايا. توجد دوريات لهذه القوات، لكنها قليلة جداً، ولا تغادر نطاق السوق، بينما تقع معظم الجرائم خارجه".
هذا السوق كان قبل بضعة أعوام يغص بالحياة وفيه يتمركز ثقل المدينة. إذ كانت تصله شاحنات من مختلف أنحاء السودان، ما خلق رواجا تجاريا نشطا وجعل معظم الخدمات في المدينة مرتبطة بالسوق الذي كان يضم مركزاً صحياً متواضعاً ومدرسة ابتدائية.
أما اليوم، وبعد مرور تلك السنوات، فقد تغير كل شيء.
قبل أكثر من عشرة أعوام، ذهبتُ إلى المنطقة لأغطي مؤتمرا حول التعايش السلمي بين مكونات أبيي من الدينكا والمسيرية والرزيقات، وراعني كيف أن الجميع متعايشون ومهتمون بتنمية المنطقة وتطويرها، وتحويلها إلى مركز جاذب للتجارة، والاستفادة من الحصة المقررة من عائدات النفط، والتي حددتها اتفاقية السلام الشامل بنسبة اثنين في المئة.

صدر الصورة، Getty Images
في أبيي تقطن قبيلتان من أصول عربية هما المسيرية والرزيقات، وهما تمتهنان حرفة الرعي والزراعة. أما في جنوب المنطقة فتعيش قبائل دينكا نغوك، ذات الأصول الأفريقية، وهي أيضاً تمتهن رعي الأبقار.
وكان هناك مسجد كبير يؤمه مصلون من الجميع، سواء من المسيرية الذين يدين معظمهم بالإسلام، أو من أبناء الدينكا. وكان لافتاً أن إمام المسجد، وهو من قبيلة الدينكا، يتلو القرآن بطلاقة، حتى تبين لي لاحقا أنه أحد خريجي جامعة الأزهر في مصر.
وفي داخل السوق نفسه، كان المسيحيون يتوجهون إلى كنيسة بُنيت هناك لأداء شعائرهم الدينية.
أما الآن فتوصف المنطقة بأنها شديدة التقلب كما يقول قائد قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا) ، اللواء غانيش كومار شريستا، الذي يؤكد أنهم يعملون في ظروف بالغة الصعوبة، ويكافحون من أجل احتواء الأوضاع الأمنية.
"إنها بيئة معقدة للغاية"

صدر الصورة، United Nations
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
يعمل في صفوف هذه قوة يونيسفا نحو 3500 فرد من جنسيات مختلفة، يحاولون سد الفراغ الناجم عن الحرب الأهلية السودانية، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني في جنوب السودان.
يضيف اللواء غانيش كومار شريستا، مؤكدا أن القوة تكثف دورياتها و"تنفذ عمليات مراقبة جوية، وتتواصل مع المجتمعات المحلية بانتظام لثنيها عن القتال. كما تتواصل مع حكومتَي السودان وجنوب السودان للتأكيد على أهمية التعايش السلمي في المنطقة".
"إننا نحاول أيضاً، بدعم من الوكالات الأممية والشركاء الإنسانيين، توفير الاحتياجات الأساسية للسكان". يضيف شريستا.
ومع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مناطق غرب كردفان، لجأت أعداد كبيرة من العائلات إلى أبيي هرباً من المعارك.
ورغم عدم وجود إحصاءات دقيقة بشأن أعدادهم، تقول منظمات الأمم المتحدة إنهم يعيشون في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل انعدام المأوى وسوء التغذية ونقص الأدوية وتفشي الأمراض المعدية.
ويقول قائد يونيسفا إن البعثة تعمل في بيئة معقدة للغاية، إذ لا توجد في أبيي حكومة أو مؤسسات حكومية فاعلة، ولذلك "نعمل على ملء هذا الفراغ، ومساعدة السكان على مواصلة حياتهم وكسب قوت يومهم، إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية تحدد الوضع القانوني للمنطقة".
وقد رصدت يونيسفا وجود قوات من جنوب السودان داخل المنطقة المتنازع عليها، الأمر الذي أثار مخاوف من تصاعد التوترات.
ودعت الأمم المتحدة، في مايو/أيار 2024، حكومة جوبا إلى سحب قواتها بأسرع وقت، محذرة من أن استمرار وجودها هناك قد يؤدي إلى تأجيج الصراع.

صدر الصورة، Getty Images
أبيي تطل برأسها وسط متاهة الحرب
ولمن لا يعرفون هذه المنطقة، فهي تقع على الشريط الحدودي بين السودان وجنوب السودان، ويحدها شمالاً الجزء الجنوبي الغربي من ولاية غرب كردفان السودانية، التي تقع على بعد نحو 50 كيلومتراً من بحر العرب. وتحدها غرباً ولاية شمال بحر الغزال، وشرقاً ولاية الوحدة في جنوب السودان.
تبلغ مساحتها نحو 10,546 كيلومتراً مربعاً، وتضم أراضي زراعية وصحراوية، إلى جانب حقول نفط كانت تنتج قبل انفصال جنوب السودان نحو 350 ألف برميل يومياً، وهو ما يمثل رُبع إجمالي النفط السوداني.
ويمر عبر أبيي خط أنابيب ينقل نفط جنوب السودان إلى ميناء التصدير في بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.
وقد ظلت المنطقة محل نزاع مستمر بين الحكومات السودانية والفصائل المتمردة في جنوب السودان بسبب موقعها الجغرافي، إذ اعتبرتها الحكومات السودانية جزءاً من الشمال، بينما تقول الفصائل الجنوبية إنها تتبع الجنوب.
وفي عام 2005، وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل، توصّل الشمال والجنوب إلى اتفاق تاريخي تضمّن بروتوكولاً خاصاً بأبيي، نص في جوهره على إجراء استفتاء شعبي لسكان المنطقة لتقرير مصيرها، إما بالبقاء ضمن السودان أو الانضمام إلى جنوب السودان، غير أن الخلاف احتدم حول حدود المنطقة التي سيجرى فيها الاستفتاء، فأُحيلَ الأمر إلى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي التي أصدرت حكماً قبِل به الطرفان. لكن خلافاً آخر برز لاحقاً بشأن من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء.

صدر الصورة، United Nations

































