"أدخل غرفة الصف وكأنني في المدينة الفاضلة": ماذا يدور في ذهن المعلم مع بداية كل عام دراسي؟

- Author, مجدي القسوس
- Role, بي بي سي عربي
- Published
- مدة القراءة: 8 دقائق
قبل أن يفتح الأستاذ عبد الله الشيخ باب الصف في صباح عام دراسي جديد، يكون ذهنه قد سبق خطواته إلى هناك. يفكر في اللقاء الأول، وفي الوجوه التي ستجلس أمامه، وفي الطريقة التي سيبدأ بها علاقة قد تمتد مع طلابه طوال العام.
لن يكون أمامه طالب واحد، بل نحو 30 طالباً في صف واحد، ومئات الوجوه التي سيلتقي بها في أروقة المدرسة وساحتها؛ لكل من تلك الوجوه شخصيته، وأسئلته، ومخاوفه، وربما قصته التي لا يعرفها بعد.
يتخيل الأستاذ الشيخ كيف سيكون اللقاء الأول، من سيحتاج إلى مزيد من الاهتمام، ومن سيجلس في المقعد الخلفي صامتاً، ومن سيجعله يضحك، أو يختبر صبره. فبداية العام الدراسي ليست موعداً جديداً في تقويم المدرسة بالنسبة للمعلمين فقط؛ إنها عودة إلى مسؤولية تبدأ قبل قرع الجرس، وربما قبل أن تطأ أقدامهم بوابة المدرسة.
وعندما ينشغل الجميع عادةً بما يحتاجه الطالب، وما يريده الأهل، قلّما نتوقف لنسأل: ماذا يدور في ذهن المعلم قبل أن يفتح باب الصف؟
هذا العام، نترك مقاعد الطلاب، ونقف خلف طاولة المعلم لنستمع إلى ما لا يُقال عادةً قبل أن يقرع جرس المدرسة.
"أدخل الصف، وكأنني دخلت المدينة الفاضلة"

لسنوات، كان القصف والدمار والغارات جزءاً من الحياة اليومية للأستاذ عبد الله الشيخ في إدلب شمال غربي سوريا، لكن ما إن يدخل الصف حتى يحاول أن يترك كل ذلك خلف الباب.
يقول عبد الله، مدرس المرحلتين الابتدائية والأساسية، لبي بي سي عن مهنته خلال سنوات الحرب في سوريا: "عندما أدخل الصف أنسى كل شيء، وكأنني دخلت المدينة الفاضلة".
في تلك اللحظات، كان الصف بالنسبة إليه أكثر من مكان للعمل أو لتقديم الدروس؛ كان مساحة يحاول فيها أن يستعيد شيئاً من الحياة الطبيعية، وأن يمنح طلابه أيضاً فرصة للانشغال بشيء آخر غير أصوات القصف والخوف الذي يحيط بهم. وبينما كانت الحرب تفرض حضورها في الخارج، كان يحاول أن يجعل من داخل الصف مكاناً للتعلم والضحك وبناء علاقة إنسانية مع طلابه.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
اليوم، ومع اقتراب بدء العام الدراسي في سوريا في السادس من سبتمبر/أيلول المقبل، يعود عبد الله إلى الصف محمّلاً بتجربة عشر سنوات في مهنة التعليم، انتقل خلالها من مدرسة خاصة إلى مدرسة حكومية. لكن ما يشغله مع كل بداية عام ليس المنهاج وحده، بل اللحظة التي سيفتح فيها باب الصف ويلتقي طلابه للمرة الأولى.
يقول: "الفكر يكون مشغولاً أكثر بترتيب اللقاء الأول"، معتبراً أن هذا اللقاء هو "الفاصل الذي يدوم طوال العام الدراسي".
لذلك، لا يفضل عبد الله أن يبدأ اليوم الأول بالدرس مباشرة، بل بالترحيب والتعارف والحديث مع الطلاب عن اشتياقهم إلى المدرسة وهواياتهم وميولهم، إلى جانب توضيح قواعد ضبط الصف. ويرى أن على المعلم أن يقدم نفسه للطلاب، فلا يكون "قاسياً ولا متساهلاً بشكل مفرط"، وأن تبدأ العلاقة بالابتسامة والترحيب حتى يشعر الطرفان بالراحة.
لكن خلف هذه البداية الهادئة، يحمل عبد الله خوفاً يرافقه طوال العام.
يقول: "هذا الخوف ليس فقط في أول يوم أو قبله بيوم، بل يرافقني حتى ينتهي العام الدراسي". وأكثر ما يخشاه أن يظلم أحد الطلاب بطريقة أو بأخرى، أو ألا يتمكن من تقديم الفائدة كما خطط لها.
ويشير إلى اختلاف مستويات الطلاب، وما يرافق ذلك من هاجس "أن يبقى الطالب على مستواه دون أن يتحسن". ومع الطلاب الجدد، يحاول أن يبدأ من دون أحكام مسبقة، إلا إذا كان قد انتقل معهم من صف إلى آخر ويعرف مستوياتهم وشخصياتهم.
خلال سنوات التدريس، أدرك عبد الله أن العلاقة الإنسانية تسبق كثيراً من الأساليب التعليمية، بحسب وجهة نظره.
ويقول: "إذا لم يحب الطالب معلمه، فمن المستحيل أن يتقدم بالشكل المطلوب"، معتبراً أن المعلم الذي يخلق رهبة بينه وبين الطالب "مهما استخدم من استراتيجيات في التعليم، فلن يحقق الفائدة".
وعندما سألناه عمّا يريد أن يعرفه طلابه عنه بوصفه إنساناً قبل أن يكون معلماً، قال إنه يتمنى أن يروا فيه، قبل كل شيء، العدل والرحمة. فالطالب، في رأيه، "عندما يرى معلمه عادلاً في تعامله مع الجميع دون تمييز، تتعزز ثقته به"، إلى جانب أن يروا فيه الأناقة وحسن الحديث ولباقة الأسلوب.
ولا يدخل عبد الله الصف حاملاً هموم طلابه فقط؛ فهو يحمل حياته الخاصة أيضاً، لكنه يحاول أن يتركها خلف باب المدرسة.
ويقول: "الحياة الخاصة لا تخلو من المشكلات، لكن عندما أدخل باب المدرسة أنسى كل شيء وأضعه جانباً، ولا أفكر في شيء حتى ينتهي اليوم الدراسي".
ورغم مرور عشرة أعوام على دخوله المهنة، لا يزال عبد الله يجد في التعليم شيئاً يصعب تفسيره، قائلاً: "علاقتي بالتعليم علاقة لا أستطيع حتى تفسيرها، عندما أدخل الصف أنسى كل شيء".
حتى الظروف المادية الصعبة لم تدفعه إلى التخلي عن المهنة. ففي سنوات الحرب، كان راتبه "متدنياً جداً ولا يكفي للعيش أو الإنفاق على عائلة"، وحين حاول التفكير في وظيفة أخرى، لم يستطع تقبل الابتعاد عن التعليم، رغم أنه عمل ثلاث سنوات متطوعاً.
لم تراوده، كما يقول، فكرة ترك المهنة. بالنسبة إليه، لا تبدو بداية العام الدراسي مجرد عودة إلى العمل، بل عودة إلى مساحة يجد فيها نفسه؛ مساحة يستطيع فيها، ولو لساعات، أن ينسى ما يحدث خارج باب الصف.
"أكسب الطالب، ثم أبدأ تعليمه"

وفي مدرسة خاصة في الأردن، حيث انطلق العام الدراسي قبل أيام، بدأت المعلمة جنى الشيخ التفكير بما تريد إنجازه خلال العام، وكيف يمكنها أن تجعل طلابها، في المرحلة الأساسية، يحبون المادة والدراسة.
وتقول جنى، بسنوات خبرتها الأربعة لبي بي سي: "هناك طلاب سأراهم لأول مرة، وفي الفترة الأولى لن أعطي دروساً مباشرة، بل سأجلس معهم وأعرّفهم إلى بعضهم، وأعطيهم أنشطة مفيدة، وأهيئهم للمدرسة قبل المنهاج".
وعلى عكس عبد الله الذي يرافقه القلق طوال العام، تقول جنى إن بداية العام لا تثير القلق لديها، قائلة "لا يوجد قلق، طالما أن الخطة متوفرة".
لكن استعدادها لا يقتصر على الخطط والأنشطة؛ فهي تفكر أيضاً في الحالة النفسية للأطفال، وترى أن طلاب هذه المرحلة "يحتاجون كثيراً إلى الحنان".
وتؤكد: "أسعى لأكسب الطالب، ثم أبدأ تعليمه".
وترى المعلمة جنى أن نجاح هذه العلاقة ينعكس على الحصة الدراسية وعلى الأهل أيضاً؛ فالطالب الذي يحب معلمته وينقل عنها كلاماً إيجابياً إلى أسرته، يساعد في بناء علاقة أكثر راحة بين المعلم والأهل، وينعكس ذلك على العملية التعليمية.
ومع حرصها على القرب من الطلاب، لا تغيب الحدود عن ذهنها. فمنذ دخولها الصف، تعرّف نفسها وتوضح القواعد، لأن "المقدمة يجب أن تكون جاذبة للطلاب"، فالأطفال، كما تقول، "يستمعون ويفهمون، خاصة في الدقائق الأولى من الحديث".
هكذا، يبدأ العام الدراسي بالنسبة إلى جنى قبل أن يبدأ الدرس: بخطة وأفكار وقلق على الطالب، ورغبة في أن تكون البداية إيجابية؛ لأن كسب الطالب، في نظرها، هو الخطوة الأولى نحو تعليمه.
"لا أشعر بالعطلة حتى"

بالنسبة للطلاب، قد تبدأ السنة الدراسية مع أول جرس صباحي، لكن بالنسبة للمعلمة ربا الحسبان،فإن العام لا ينتهي تماماً مع آخر يوم دراسي. فبعد 21 عاماً في مهنة التعليم، قضتها منذ البداية معلمةللمرحلة الثانوية في الأردن، تقول إن التفكير بالمدرسة يمتد معها حتى خلال الإجازة.
تقول الحسبان لبي بي سي: "أنا لا أشعر بالعطلة حتى". فخلال الإجازة، يبقى ذهنها مشغولاً بكيفية تقديم المعلومة، وطريقة طرح الأسئلة، وما يمكن أن يفيد الطلاب في السنوات المقبلة. حتى أثناء قيامها بمهامها المنزلية، قد تفكر في إعداد أسئلة مقترحة ونماذج تساعد الطلاب المقبلين على الامتحانات الوطنية.
ولأنها معلمة للمرحلة الثانوية، فإن مسؤوليتها، كما تصفها، لا تتعلق بالمادة الدراسية وحدها، قائلة: "كل صف له سياسة تعامل مختلفة، صف الإناث يتطلب تعاملاً مختلفاً عن صف الذكور، ولكل طالب مفتاح خاص".
وتشير إلى أن سنوات الخبرة لم تجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الطلاب فحسب، بل علّمتها أنوراء كل سلوك شخصية وظروفاً ومشاعر تحتاج إلى أن تُفهم قبل أن يُحكم عليها، وبخاصة في مرحلة عمرية أكبر وأكثر حساسية، يحتاج فيها الطالب إلى من يفهمه بقدر حاجته إلى من يعلّمه.
ولا تصف الحسبان بداية العام بأنها مصدر خوف، بقدر ما تراها مساحة للتعرف والمراقبة، لاسيما مع الطلاب الجدد. فهي تؤمن بأن احترام المعلم لا يحتاج إلى القسوة، بل يمكن أن يأتي من أسلوب راقٍ ومحب.
ورغم أعباء المهنة، ما زالت الحسبان تجد في التعليم سبباً للذهاب إلى المدرسة بحماس، قائلة: "أحب مهنة التعليم كثيراً، ومهما كانت همومها كبيرة لن أتخلى عنها"، واصفة المدرسة بأنها "بيتي الثاني".
وتكشف الحسبان أن أجمل ما يثبت أثر المعلم يحدث أحياناً بعد سنوات طويلة، عندما يعود طلابها برسائل المعايدة والسلام، وبعضهم أصبح على مشارف نيل الدكتوراه. عندها تشعر أن تعبها "أثمر عبر الأجيال".
ورغم أنها تفكر أحياناً، من شدة التعب، في التقاعد، إلا أن يومين من العطلة قد يكونان كافيين لتتراجع عن الفكرة: "أعود إلى المدرسة بحب ولهفة".
ماذا يحتاج المعلم ليبدأ عاماً دراسياً متوازناً؟

إذا كان المعلمون الثلاثة الذين تحدثنا إليهم قد كشفوا، كل من موقعه وخبرته، جانباً من أفكارهم ومخاوفهم مع بداية العام الدراسي، فهل القلق الذي يرافقهم طبيعي؟ وهل يمكن أن تكون هذه المشاعر جزءاً من مسؤولية المعلم، لا علامة على ضعفه أو تراجُع قدرته؟
تجيب الأستاذة رانيا الدحابرة، المستشارة الأكاديمية والتربوية في الأردن، بأن ما وصفه المعلمون في حديثهم ليس أمراً استثنائياً، بل هو شعور طبيعي قد يرافق المعلم حتى بعد سنوات طويلة من الخبرة.
وتقول لبي بي سي إن التوتر والقلق في بداية العام الدراسي "ينبعان من شعور المعلم بالمسؤولية ورغبته في تقديم أفضل ما لديه"، ولذلك عليه أولاً أن يتقبل هذه المشاعر، وأن يدرك أنها "لا علاقة لها بفشل المعلم أو نجاحه".
وبينما تحدث عبد الله عن انشغاله باللقاء الأول، وجنى عن رغبتها في كسب الطالب قبل تعليمه، وربا عن استمرار التفكير في طلابها حتى خلال الإجازة، ترى الدحابرة أن الحل لا يكمن في التخلص من هذه المشاعر، وإنما في تحويلها إلى استعداد عملي.
وتنصح المعلم بالتركيز على التخطيط للعام الدراسي، وتهيئة البيئة الصفية والنفسية لاستقبال الطلاب، والبدء بخطوات تدريجية وصغيرة وعملية، إلى جانب الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية والتغذية، وتبادل الخبرات مع الزملاء والحديث معهم عن المشاعر والهموم، بما يساعد على خفض حدة التوتر.
والعلاقة التي تحدث عنها المعلمون بوصفها أساساً للتعليم، تحتاج، وفق الدحابرة، إلى توازن واضح بين القرب والحدود.
وترى أن على المعلم أن يكون قريباً من الطلاب والأهل ومن توقعاتهم، لكن مع توضيح قواعد التعامل والقوانين الصفية وآلية سير العام الدراسي وأساليب التقييم منذ البداية.
وتقول: "كلما كان المعلم واضحاً مع الأهل والطلاب، سهل عليه ذلك".
لكن الوضوح، بالنسبة إليها، لا يعني تقديم وعود لإرضاء الأهل. بل ينبغي أن يتواصل المعلم معهم باحترام وشفافية، وأن يتعامل معهم "بمهنية عالية، وليس بصورة شخصية"، مع الحفاظ على الثبات في أسلوب التعامل.
وللمعلم الذي يدخل عامه الدراسي مثقلاً بالإرهاق أو فاقداً شيئاً من حماسه، تقترح الدحابرة ثلاث نصائح عملية:
النصيحة الأولى: ابدأ بهدف واقعي تريد تحقيقه مع بداية العام، بدلاً من الانشغال بالتوقعات، وركّز عليه ثم عُد لمراجعته لاحقاً.
النصيحة الثانية: التخطيط، ليس للحصة والمادة والأنشطة فقط، وإنما للوقت الشخصي أيضاً، لأن تنظيم الحياة خارج المدرسة يساعد المعلم على الحفاظ على توازنه النفسي والعائلي.
النصيحة الثالثة: أن يتذكر المعلم أثره في حياة طلابه، فهي تقول في ختام حديثها لبي بي سي إن على المعلم أن يركز على "الأثر الإيجابي الذي يصنعه في حياة الطالب"، لأن ما يبقى مع الطالب في النهاية ليس المعلومة وحدها، وإنما الأثر الإنساني.
في كل عام، يدخل المعلمون الصفوف، ويبدأ الطلاب بالتعلّم، لكن خلف ذلك المشهد حكايات لا يراها أحد.
هذه المرة حاولنا أن نسمعها. فإذا كنت معلماً أو معلمة، اعتبر هذا التقرير تحية صغيرة لك: للقلق الذي تخفيه، وللجهد الذي لا يُرى، وللفرح الذي يأتي أحياناً من رسالة طالب بعد سنوات.
وكلما قرع الجرس وبدأت الحصة، تذكر أن هناك من يعرف أن وراء ذلك الباب معلماً يحمل أكثر مما يظهر.































